فصل: ثاوفرسطس:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عيون الأنباء في طبقات الأطباء (نسخة منقحة)



.ثاوفرسطس:

أحد تلاميذ أرسطوطاليس وابن خالته؛ وأحد الأوصياء الذين وصى إليهم أرسطوطاليس وخلفه على دار التعليم بعد وفاته.
ولثاوفرسطس من الكتب كتاب النفس، مقالة، كتاب الآثار العلوية، مقالة، كتاب الأدلة، مقالة، كتاب الحس أو المحسوس، أربع مقالات، كتاب ما بعد الطبيعة، مقالة، كتاب أسباب النبات تفسير كتاب قاطيغورياس، وقيل أنه متحول إليه، كتاب إلى دمقراط في التوحيد، كتاب في المسائل الطبيعية.

.الاسكندر الأفروديسي الدمشقي:

كان في أيام ملوك الطوائف بعد الاسكندر الملك، ورأى جالينوس واجتمع معه، وكان يلقب جالينوس رأس البغل، وبينهما مشاغبات ومخاصمات، وكان فيلسوفًا متقنًا للعلوم الحكمية بارعًا في العلم الطبيعي، وله مجلس عام يدرس فيه الحكمة وقد فسر أكثر كتب أرسطوطاليس، وتفاسيره مرغوب فيها مفيدة للاشتغال بها.
قال أبو زكريا يحيى بن عدي إن شرح الاسكندر للسماع كله ولكتاب البرهان، رأيته في تركة إبراهيم بن عبد اللَّه الناقل النصراني، وإن الشرحين عرضه علي بمائة دينار وعشرين ديناراً، فمضيت لأحتال في الدنانير، ثم عدت فأصبت القوم قد باعوا الشرحين في جملة كتب إلى رجل خراساني بثلاثة آلاف دينار، وقيل أن هذه الكتب كانت تحمل في الكم، وقال أبو زكريا أنه التمس من إبراهيم بن عبد اللَّه نص سوفسطيقا، ونص الخطابة، ونص الشعر، بنقل إسحق بخمسين دينارًا فلم يبعه، وأحرقها وقت وفاته.
وللاسكندر الإفروديسي من الكتب تفسير كتاب قاطيغورياس لأرسطوطاليس، تفسير كتاب أرمينياس لأرسطوطاليس، تفسير كتاب أنالوطيقا الثانية لأرسطوطاليس، تفسير كتاب طوبيقا لأرسطوطاليس والذي وجد من تفسيره لهذا الكتاب تفسير بعض المقالة الأولى، وتفسير المقالة الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة، تفسير كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس، تفسير بعض المقالة الأولى من كتاب السماء والعالم لأرسطوطاليس، تفسير كتاب الكون والفساد لأرسطوطاليس، تفسير كتاب الآثار العلوية لأرسطوطاليس، كتاب النفس، مقالة في عكس المقدمات، مقالة في العناية، مقالة في الفرق بين الهيولي والجنس، مقالة في الرد على من قال أنه لا يكون شيء إلا من شيء، مقالة في أن الأبصار لا يكون بشعاعات تنبث من العين، والرد على من قال بانبثاث الشعاع مقالة في اللون وأي شيء هو على رأي الفيلسوف، مقالة في الفصل خاصة ما هو على رأي أرسطوطاليس، مقالة في الماليخوليا، مقالة في الأجناس والأنواع، مقالة في الرد على جالينوس في المقالة الثامنة من كتابه في البرهان، مقالة في الرد على جالينوس فيما طعن على قول أرسطوطاليس إن كل ما تحرك فإنما يتحرك عن محرك، مقالة في الرد على جالينوس في مادة الممكن، مقالة في الفصول التي تقسم بها الأجسام، مقالة في العقل على رأي أرسطوطاليس، رسالة في العالم وأي أجزائه تحتاج في ثباتها ودوامها إلى تدبير أجزاء أخرى، كتاب في التوحيد، مقالة في القول في مبادئ الكل على رأي أرسطوطاليس، كتاب آراء الفلاسفة في التوحيد، مقالة في حدوث الصور لا من شيء، مقالة في قوام الأمور العامية، مقالة في تفسير ما قاله أرسطوطاليس في طريق القسمة على رأي أفلاطون، مقالة في أن الكيفيات ليست أجساماً، مقالة في الاستطاعة، مقالة في الأضداد وأنها أوائل الأشياء على رأي أرسطوطاليس، مقالة في الزمان، مقالة في الهيولى وأنها معلولة مفعولة، مقالة في أن القوة الواحدة تقبل الأضداد جميعًا على رأي أرسطوطاليس، مقالة في الفرق بين المادة والجنس، مقالة في المادة والعدم والكون، وحل مسألة الناس من القدماء أبطلوا بها الكون من كتاب أرسطوطاليس في سمع الكيان، مقالة في الأمور العامية والكلية وأنها ليست أعيانًا قائمة، مقالة في الرد على من زعم أن الأجناس مركبة من الصور إذ كانت الصور تنفصل منها، مقالة في أن الفصول التي بها ينقسم جنس من الأجناس ليس واجب ضرورة أن تكون إنما توجد في ذلك الجنس وحده الذي إياه تقسم، بل قد يمكن أن يقسم بها أجناسًا أكثر من واحد ليس بعضها مرتبًا تحت بعض، مقالة فيما استخرجه من كتاب أرسطوطاليس الذي يدعي بالرومية ثولوجيا، ومعناه الكلام في توحيد اللَّه تعالى، رسالة في أن كل علة مباينة فهي في جميع الأشياء وليست في شيء من الأشياء، مقالة في إثبات الصور الروحانية التي لا هيولى لها، مقالة في العلل التي تحدث في فم المعدة، مقالة في الجنس، مقالة تتضمن فصلًا من المقالة الثانية من كتاب أرسطوطاليس في النفس، رسالة في القوة الآتية من حركة الجرم الشريف إلى الأجرام الواقعة تحت الكون والفساد.

.الباب الخامس: طبقات الأطبَّاء الذين كانوا منذ زمان جالينوس قريبًا منه:

.جالينوس:

ولنضع أولًا كلامًا كليًّا في أخبار جالينوس وما كان عليه، ثم نلحق بعد ذلك معه جملًا من ذكر الأطباء الذين كانوا منذ زمانه وقريبًا من وقته فنقول إن الذي قد عُلم من حال جالينوس واشتهرت به المعرفة عند الخاص والعام في كثير من الأمم أنه كان خاتم الأطباء الكبار المعلمين وهو الثامن منهم، وأنه ليس يدانيه أحد في صناعة الطب فضلًا عن أن يساويه، وذلك لأنه عندما ظهر وجد صناعة الطب قد كثرت فيها أقوال الأطباء السوفسطائيين وانمحت محاسنها، فانتدب لذلك، وأبطل آراء أولئك، وأيد وشيد كلام أبقراط وآراءه وآراء التابعين له ونصر ذلك بحسب إمكانه، وصنف في ذلك كتبًا كثيرة كشف فيها عن مكنون هذه الصناعة، وأفصح عن حقائقها ونصر القول الحق فيها، ولم جيء بعده من الأطباء إلا من هو دون منزلته ومتعلم منه.
وكانت مدة حياة جالينوس سبعًا وثمانين سنة منها صبي ومتعلم سبع عشرة سنة، وعالم معلم سبعين سنة، وهذا على ما ذكره يحيى النحوي، وكذلك تقسيم عمر كل واحد ممن تقدم ذكره من سائر الأطباء الكبار المعلمين إلى وقتي تعلمه وتعليمه فإنه من قول يحيى النحوي، وقوله هذا يجب أن ينظر فيه وذلك أنه لا يمكن أن تنحصر معرفته كما ذكر، فإن القياس يوجب أن البعض من ذلك غير ممكن واحده ما ذكره هاهنا عن جالينوس أنه كان صبيًّا ومتعلمًا سبع عشرة سنة، وعالمًا معلمًا سبعين سنة، ولو لم يكن التتبع على قوله هذا إلا مما قد ذكره جالينوس نفسه، واتباع قول مثل جالينوس عن نفسه أولى من اتباع قول غيره عنه، وهذا نص ما ذكره جالينوس في كتابه مراتب قراءة كتبه قال إن أبي لم يزل يؤدبني بما كان يحسنه من علم الهندسة والحساب والرياضيات التي تؤدب بها الأحداث حتى انتهيت من السن إلى خمس عشرة سنة، ثم أنه أسلمني في تعليم المنطق وقصد بي حينئذ في تعليم الفلسفة وحدها فرأى رؤيا دعته إلى تعليمي الطب فأسلمني في تعليم الطب وقد أتت علي من السنين سبع عشرة سنة.
وإذا كان هذا، فقد تبين من قول جالينوس خلاف ما ذكر عنه، ولا يبعد أن يكون الكلام في الذين ذكرهم من قبل جالينوس أيضًا مثل هذا.
وكانت منذ وقت وفاة أبقراط وإلى ظهور جالينوس ستمائة سنة وخمس وستون سنة، ويكون من وقت مولد إسقليبيوس الأول، على ما ذكره يحيى النحوي، إلى وقت وفاة جالينوس خمسة آلاف سنة وخمسمائة سنة وسنتان.
وذكر إسحق بن حنين أن من وقت وفاة جالينوس إلى سنة الهجرة خمسمائة سنة وخمسة وعشرين سنة، أقول وكان مولد جالينوس بعد زمان المسيح بتسع وخمسين سنة على ما أرخه إسحق، فأما قول من زعم أنه كان معاصره وأنه توجه إليه ليراه ويؤمن به فغير صحيح، وقد أورد جالينوس في مواضع متفرقة من كتبه ذكر موسى والمسيح، وتبين من قوله أنه كان من بعد المسيح بهذه المدة التي تقدم ذكرها، ومن جملة من ذكر أن جالينوس كان معاصرًا للمسيح البيهقي وذلك أنه قال في كتاب مسارب التجارب وغوارب الغرائب، أنه لو لم يكن في الحواريين إلا بولص بن أخت جولينوس لكان كافياً، وإنما بعثه إلى عيسى جالينوس وأظهر عجزه عن الهجرة إليه لضعفه وكبر سنة، وآمن بعيسى وأمر ابن أخته بولص بمبايعة عيسى، قال جالينوس في المقالة الأولى من كتابه في الأخلاق، وذكر الوفاء واستحسنه وأتى فيه بذكر القوم الذين نكبوا بأخذ صاحبهم وابتلوا بالمكاره، يلتمس منهم أن يبوحوا بمساوئ أصحابهم وذكر معايبهم، فامتنعوا من ذلك وصبرواعلى غليظ المكاره، وإن ذلك كان في سنة أربع عشرة وخمسمائة للاسكندر، وهذا أصح ما ذكره من أمر جالينوس ووقته وموضعه من الزمان، وقال أبو الحسين علي بن الحسين المسعودي كان جالينوس بعد المسيح بنحو مائتي سنة، وبعد أبقراط بنحو ستمائة سنة، وبعد الاسكندر بنحو خمسمائة سنة ونيف.
أقول ووجدت عبيد اللَّه بن جبرائيل بن عبيد اللَّه بن بختيشوع قد استقصى النظر في هذا المعنى، وذلك أنه كان قد سئل عن زمان جالينوس وهل كان معاصرًا المسيح أو كان قبله أو بعده، فأجاب عن ذلك بما هذا نصه، قال: إن أصحاب التواريخ اختلفوا اختلافًا فيما وضعوه، كل منهم أثبت جملًا إذا فصلت فخرج منها زيادات ونقصان، ومن هذا يتبين لك متى تصفحت كتب التواريخ، لا سيما متى وقفت على كتاب الأزمنة الذي عمله ماراليا مطران نصيبين، فإنه قد كشف الخلف الذي بين التواريخ العتيقة والحديثة وأوضح وكشف وأبان ذلك أحسن بيان، بجمعه لجملها في صدر كتابه وإيراد تفاصيلها، وتنبيهه على مواضع الخلاف فيها والزيادات والنقصانات وذكر أسبابها وعللها، ووجدت تاريخًا مختصرًا لهارون بن عزور الراهب، ذكر فيه أنه اعتبر التواريخ وعول على صحتها، ورأيته قد كشف بعض اختلافها وعلل ذلك بعلل مقنعة، وأورد شواهد من صحتها، وذكر هذا الراهب في تاريخه أن جميع السنين من آدم إلى ملك دارا ابن سام، وهو أول ظهور الاسكندر ذي القرنين، خمسة آلاف ومائة وثمانون سنة وعشرة أشهر على موجب التاريخ الذي عند اليونانيين، وهو تاريخ التوراة المنقولة إلى اليونانيين قبل ظهور المسيخ بمائتي سنة وثمان وسبعين سنة، وذلك في زمان فيلدلفوس الملك، لأنه كان حمل إلى اليهود هدايا حسنة لما سمع أن عندهم كتبًا منزلة من عند اللَّه تعالى على ألسنة الأنبياء، وكان من جملة ما حمل مائدتان من ذهب مرصعتان بالجواهر لم ير أحسن منهما، وسألهم عن الكتب التي في أيديهم وأعلمهم أنه يختار أن يكون عنده نسختها، فكتبوا جميع الكتب التي كانت عندهم لليهود من التوراة والأنبياء وما جرى مجراها، في أوراق من فضة بأحرف من ذهب على ما نسبه الراهب إلى أوسابيس القيسراني، فلما وصلت إليه استحسنها ولم يفهم ما فيها، فأنفذ إليهم يقول أي فائدة من كنز مستور لا يظهر ما فيه، وعين مسدودة لا ينضح ماؤها؟ فأنقذوا إليه اثنين وسبعين رجلًا من جميع الأسباط من كل سبط ستة رجال، فلما وصلوا عمل لهم الملك فيلدلفوس مراكب ونزل كل رجلين منهم في مركب، ووكل بهم حفظة حتى نقلوها، وقابل النسخ فلما وجدها صحيحة غير مختلفة خلع عليهم وأحسن إليهم وردهم إلى مواطنهم.
وذكر أوسابيوس القيسراني الذي كان أسقف قيسارية أن هذا الملك كان قد نقل الكتب قبل مجيء اليهود استدعاء اليهود وحضوره عنده ونقلهم إياها، وإنما شك فيمانقله منها فأحب تصحيحه، قال عبيد اللَّه بن جبرائيل وهذا مما يشهد فيه لاعقل لأن فيلدلفوس الملك لو لم يشك في نقله لما احتاط هذا الاحتياط المذكور وحرص هذا الحرص على حفظ هذا النقل، ولولا اتهامه لنقله لما كان هنا ما يوجب هذا الاحتياط، لأن من قلدهم في الأول كان أحرى أن يقلدهم في الثاني، ولما أحب أن يمتحن ما فسره فعل ما فعل وقابل عليه وصححه، ومن هاهنا وجب أن تاريخ اليونانيين أصح التواريخ أعني تاريخ التوراة والأنبياء التي عندهم، وكانت مدة هذا الملك فيلدلفوس في المملكة ثماني وثلاثين سنة، وهوالملك الثالث من الاسكندر، على أن تاريخ الاسكندر منذ قتله دارا، وهو أن مدة ملكه تكون ست سنين، ومنه يؤخذ تواريخ اليونانيين، فتكون مدة ملك اليونانيين من الاسكندر وإلى أول ملك الروم الذين لقبهم قيصر مائتين واثنتين وسبعين سنة، وأول ملوك الروم الذين لقبهم قيصر يوليوس جايوس قيصر، وكانت مدته في المملكة أربع سنين وشهرين وملك بعده أغوسطوس قيصر وكانت مدته ست وخمسين سنة وستة أشهر وفي سنة ثلاث وأربعين من ملكه ولد المسيح عليه السلام في بيت لحم، فجميع سني العالم من آدم وإلى مولد المسيح خمسة آلاف وخمسمائة وأربع سنين، وملك بعده طيباريوس قيصر ثلاثًا وعشرين سنة، وفي سنة خمس عشرة من ملكه إعتمد المسيح في الأردن بيد يوحنا المعمدان، وفي سنة تسع عشرة صلب رفع وذلك في يوم الجمعة الرابع والعشرين من آذار، وانبعث حيًّا يوم الأحد السادس والعشرين من آذار، وبعد أربعين يومًا صعد إلى السماء بمشهد من الحواريين.
ثم ملك بعده يوليوس جايوس الآخر أربع سنين وقتل في بلاطه، وملك بعده قلوديوس جرمانيقوس قيصر أربع عشرة سنة، ثم ملك بعده نارون بن قلوذيوس قيصر ثلاث عشرة سنة، ثم أندرونيقوس أربع عشرة سنة، وهو الذي قتل بطرس وبولس في السجن، لأنه ارتد إلى عبادة الأصنام وكفر بعد الإيمان وقتل وهو مريض.
وذكر أندرونيقوس في تاريخه أنه ملك بعد نارون، جالباس سبعة أشهر، ووطليوس ثمانية واثون ثلاثة أشهر، ثم ملك بعده أسفاسيانوس قيصر عشر سنين، وفي اخر ملكه غزا بيت المقدس وخربه، ونقل جميع آلة البيت إلى القسطنطينية وانقطع عنهم، يعني اليهود، الملك والنبوة، وهو الذي وعد اللَّه تعالى به بمجيء المسيح ولا رجعة لم بعده هذه المملكة الأخيرة من الممالك التي وعدهم اللَّه بها، ثم ملك بعده طيطوس ابنه سنتين.
ووجدت في تاريخ مختص قديم رومي أنه ملك بعده طيطوس طميديوس؛ وفي زمانه كان بليناس الحكيم صاحب الطلسمات، ثم ملك بعد دوميطانوس أخو طيطوس، وأن اسفاسيانوس ملك خمس عشرة سنة، وفي زمانه ظهر ماني، وفي أيامه زمانه نهبت مدينة رأس العين، وفي تاريخ أندرونيقوس أنه ملك ست عشرة سنة، ثم ملك بعده فرواس قيصر سنة واحدة، ثم ملك البيوس طرينوس قيصر تسع عشرة سنة وهو الذي ارتجع أنطاكية من الفرس، وكتب إليه خليفته على فلسطين يقول له أنني كلما قتلت النصارى ازدادوا رغبة في دينهم، فأمره برفع السيف عنهم وفي السنة العاشرة من ملكه ولد جالينوس، على ما سنبين فيما بعد.
ثم ملك بعده أبليوس أدريانوس قيصر إحدى وعشرين سنة وبنى مدينته، ثم ملك بعده أنطونينوس قيصر اثنتين وعشرين سنة وبنى مدينة إيليوبليس وهي مدينة بعلبك، وفي أيام هذا الملك ظهر جالينوس وهو الملك الذي استخدمه، وبيان ذلك قول جالينوس في صدر مقالته الأولى من كتاب علم التشريح وهذا قوله بعينه، قال جالينوس قد كنت وضعت فيما تقدم في علاج التشريح كتابًا في مَقْدمي الأول إلى مدينة رومية، وذلك في أول ملك انطونينوس الملك في وقتنا هذا.
ومما يؤيد هذا، قول جالينوس في الكتاب الذي وضعه في تقييد أسماء كتبه ويعرف ببنكس جالينوس، قال لما رجعت من مدينة رومية وعزمت على المقام بمدينتي، واللزوم لما كانت جرت فيه عادتي، وإذا كُتُب قد وردت من مدينة أقوليا من الملكين يأمران إشخاصي لأنهما كانا قد عزما على أن يشتيا بأقوليا ثم يغزوا أهل جرمانيا، فاضطررت إلى الشخوص إليها وأنا على رجاء أن أعفى إذا استعفيت، لأنه كان قد بلغني عن أحدهما وهو أشبههما بحسن الخلق ولين الجانب، وهو الذي كان اسمه بيرس، فلما ملك انطونينوس من بعد أدريانوس وصيَّر ببرس ولي عهده أشرك في ملكه رجلًا يقال له لوقيس، وسماه بيرس، وسمى هذا الذي كان اسمه بيرس أنطونينوس، فلما صرت إلى بلاد أقوليا عرض فيها من الوباد ما لم يعرض قط، فهرب الملكان إلى مدينة رومية مع عدة من أصحابهما وبقي عامة العسكر بأقوليا، فهلك البعض وسلم البعض، ونالوا جهدًا شديدًا ليس من أجل الوباء فقط، ولكن من جهة أن الأمر فاجأهم في وسط الشتاء، ومات لوقيوس في الطريق، فحمل أنطونينوس بدنه إلى رومية فدفنه هناك، وهمَّ بغزو أهل جرمانيا، وحرص الحرص كله أن أصحبه، فقلت أن اللَّه تعالى لما خلصني من دبيلة قتالة كانت عرضت لي أمرني بالحج إلى بيته المسمى هيكل أسقليبيوس وسألته الإذن في ذلك فشفعني وأمرني بأن أحج.
ثم انتظرت إلى وقت انصرافه إلى رومية، فإنه قد كان يرجو أن ينقضي حربه سريعاً، وخرج وخلف ابنه قومودس صبيًّا صغيرًا وأمر المتوالين لخدمته وتربيته أن يجتهدوا في حفظ صحته فإن مَرِض دعوني لعلاجه أتولاه.
ففي هذا الزمان جمعت كل ما جمعته من المعلمين وما كنت استنبطته، وفحصت عن أشياء كثيرة، ووضعت كتبًا كثيرة لأروض بها نفسي في معان كثيرة من الطب والفلسفة، إحترق أكثرها في هيكل أريني ومعنى أريني السلامة، ولأن أنطونيوس أيضًا في سفره أبطأ خلاف ما كان يقدر فكان ذلك الزمان مهلة في رياضة نفسي.
فهذه الأقاويل وغيرها مما لم نورده لطلبة الاختصار، فقد بان أن جالينوس كان في أيام هذا الملك، وكان عمره في الوقت الذي قدم فيه رومية القدوم الأولى ثلاثين سنة، وذلك بدليل قوله في هذا الكتاب المقدم ذكره عند وصفه ما وضعه في الكتب في التشريح قال جالينوس.
ووضعت أربع مقالات في الصوت كتبتها إلى رجل من الوزراء اسمه بويئس يتعاطى من الفلسفة مذهب فرقة أرسطوطاليس، وإلى هذا الرجل كتبت أيضًا خمس مقالات وضعتها في التشريح على رأي أبقراط وثلاث مقالات وضعتها بعدها في التشريح على رأي أرايسطراطس نحوت فيها نحو من يحب الغلبة والظهور على مخاليفه، بسبب رجل يقال له مرطياليس وضع مقالتين في التشريح هما إلى هذه الغاية موجودتان في أيدي الناس، وقد كان الناس بهما في وقت ما وضعت هذه الكتاب معجبين، وكان هذا الرجل حسودًا شديد البغي والمراء على كبر سنه، فإنه قد كان من أبناء سبعين سنة وكان هذا الرجل حسودًا شديد البغي والمراد على كبر سنه، فإنه قد كان من أبناء سبعين سنة وأكثر، فلما بلغه أني سئلت في مجلس عام عن مسألة في التشريح فأعجب بما أجبت به فيها، واستحسنه جميع من سمعه، وكثر مدح الناس لي عليه سأل عني بعض أصدقائنا بقول من أقول من أهل فرق الطب كلها، قال له إني أسمي من ليست نفسه إلى فرقه من الفرق، وقال إنه من أصحاب أبقراط ومن أصحاب بركساغورس وغيرهم، وإني أختار من مقالة كل قوم أحسن ما فيها.
واتفق يومًا أني حضرت مجلسًا عامًا ليمتحن حذقي بكتب القدماء، فأخرج كتاب أرسطراطس في نفث الدم وألقى فيه نامر على العادة الجارية، فوقع على الموضع الذي ينهي فيه أرسطراطس عن فصد العرق، فزدت في المعاندة لأراسطراطس، لِغَمِّ مرطياليس لأنه ادعى أنه من أصحابه، فأعجب ذلك القول من سمعه، وسألني رجل من أوليائي وأعداء مرطياليس أن أملي الكلام الذي قلته في ذلك المجلس على كاتب له بعث به إلى ماهر بالكتاب الذي يكتب بالعلامات سريعًا في ليقوله لمرطياليس إذا صادفه عند المرضى، فلما أشخصني الملك إلى مدينة رومية في المرة الثانية وكان الرجل الذي أخذ مني تلك المقالة قد مات ولا أدري كيف وقعت نسختها إلى كثير من الناس، فلم يسرني ذلك لأنه كلام جرى على محبة الغلبة في ذلك الوقت أن لا أخطب في المجالس العامية ولا أباري، لأني رزقت من السعادة والنجاح في علاج المرضى أكثر مما كنت أتمنى، وذلك أني لما رأيت غير أهل المهنة إذا مدح أحد الأطباء بحسن العبارة سموه طبيب الكلام، أحببت أن أقطع ألسنتهم عني فأمسكت عن الكلام، سوى ما لا بد منه عند المرضى، وعما كنت أفعله من التعليم في المحافل ومن الخطب في المجالس العامية واقتصرت على إظهار مبل.
قال عبيد اللَّه بن جبرائيل فمن وقت هذا يكون مولد جالينوس في السنة العاشرة من ملك طرينوس الملك، لأنه زعم أنه وضعه لكتاب علاج التشريح كان في مقدمه الأول إلى رومية وذلك في ملك أنطونينوس، كما ذكرنا، وأنه كان له من عمره على ما ذكرنا ثلاثون سنة مضى منها من مدة ملك أدريانوس إحدى وعشرون سنة، وكان مدة الملك طرينوس قيصر تسع عشرة سنة، وإذا كان هذا هكذا أصبح أن مولد جالينوس كان في السنة العاشرة من ملك طرينوس، فتكون المدة التي من صعود المسيح إلى السماء، وهي من سنة تسع عشرة من ملك طيباريوس قيصر، إلى السنة العاشرة من ملك طرينوس التي ولد فيها جالينوس على موجب التاريخ المذكور، ثلاثًا وسبعين سنة، وعاش جالينوس، على ما ذكره إسحاق بن حنين في تاريخه ونسبه إلى يحيى النحوي، سبعا وثمانين سنة، منها صبي ومتعلم سبع عشرة سنة، وعالم معلم سبعين سنة.
قال إسحاق بين وفاة جالينوس إلى سنة تسعين ومائتين للهجرة، وهي السنة التي عمل فيها التاريخ ثمانمائة وخمس عشرة سنة.
وقال عبد اللَّه بن جبرائيل وينضاف إلى ذلك مما بين هذه السنة التي عملنا فيها هذا الكتاب، وهي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة للهجرة الواقعة في سنة ألف وثلاثمائة واثنتين وأربعين للإسكندر، وبين سنة تسعين ومائتين، وهو مائة واثنتان وثلاثون سنة فيكون من وفاة جالينوس إلى سنتنا هذه وهي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، تسعمائة وسبع وأربعون سنة، وإذا أضيف إلي هذه الجملة عمر جالينوس وما بين مولده إلى صعود المسيح إلى السماء وهو مئة وستون سنة يصبح الجميع، أعني من صعود المسيح إلى سنتنا هذه، ألف ومائة وسبع سنين، الجملة غلط وهي تنقص بالتفصيل، ومن مثل هذا التاريخ يضلّ الناس لأنهم يقلدون أصحاب التواريخ فيضلون.
ووجه الغلط في هذه الجملة يتبين من جهتين إحداهما من تاريخ المسيح والأخرى من تاريخ جالينوس، وقد ذكرناهما، فيما تقدم، ذكرًا شافيًا فمن أحب امتحان ذلك فليرجع إليه فإنه يتبين له من التفصيل المذكور، فإن للمسيح منذ ولد ألف سنة وثماني عشرة سنة، وجالينوس تسعمائة وثلاث عشرة سنة، وهذا خلف عظيم وغلط بيِّن.
قال وأنا أستطرف كيف مر مثل هذا مع بيان المواضع التي استدللنا بها من كلام جالينوس، ومن أوضاع أصحاب التواريخ الصحيحة، واستطرف أيضًا كيف لم ينتبه إلى فصل ورد في كتاب الأخلاق تبين فيه غلط تاريخ هذه المدة فصارت المائة سنة، وقد يكون سبب هذا الغلط من النساخ ويستمر حتى تحصل حجة يضل بها من لم يفحص عن حقائق الأمور، وهذه نسخة الفصل من كتاب الأخلاق بعينه قال جالينوس.
وقد رأينا نحن في هذا الزمان عبيدًا فعلوا هذا الفعل دون الأحرار لأنهم كانوا في طبائعهم أخياراً، وذلك، أنه لما مات فرونيموس، وكان موته في السنة التاسعة من ملك قومودس وفي سنة خمسمائة وست عشرة من ملك الاسكندر، وكان الوزيران في ذلك الوقت ماطروس وإيروس تتبع قوم كثير عددهم، وعدت عبيدهم ليفشوا على مواليهم ما فعلوا، وهذا خلف عظيم لا سيما لما ذكره إسحاق، لأنه يحصل بينه اختلاف عظيم إلى وفاة جالينوس يقتضي بأن تكون على ما ذكره إسحاق من أن عمره كان سبعا وثمانين سنة في هذه السنة المذكورة وهي سنة خمسمائة وست عشرة للاسكندر، ويقتضي أن يكون هذا الكتاب آخر ما عمله أعني كتاب الأخلاق لأنه وقت وفاته يجب أن يكون الوقت الذي ذكر فيه أمر العبيد والتاريخ، وقد رأيناه ذكره في كتاب آخر يدل على أنه قد عمل بعده، وأنه عاش بعد هذا الوقت زمان ما يجوز السنة المذكورة عدته، فقد بان تناقض تاريخه وفساد جملته، ولو فرضنا الأمر على ما ذكره لم يجب له أن يغفل مثل هذا التاريخ البيين الجلي، ويثبت جملة ما تحصل ولا يصح، وما يشهد بأن المسيح كان قبل جالينوس بمدة من الزمان، ما ذكره جالينوس بمدة من الزمان، ما ذكره جالينوس في تفسير كتاب أفلاطون في السياسة المدنية وهذا نص قوله، قال جالينوس من ذلك قد نرى القوم الذين يدعون نصارى أنما أخذوا إيمانهم عن الرموز والمعجزة، وقد تظهر منهم أفعال المتفلسفين أيضاً، وذلك أن عدم جزعهم من الموت وما يلقون بعده أمر قد نره كل يوم، وكذلك عفافهم عن الجماع وإن منهم قومًا لا رجال فقط لكن نساء أيضًا قد أقاموا أيام حياتهم ممتنعين عن الجماع، ومنهم قوم قد بلغ من ضبطهم لأنفسهم في التدبير في المطعم والمشرب، وشدة حرصهم على العدل أن صاروا غير مقصرين عن الذين يتفلسفون بالحقيقة، قال عبد اللَّه بن جبرائيل فبهذا القول قد عُلم أن النصارى لم يكونوا ظاهرين في زمن المسيح بهذه الصورة، أعني الرهبنة التي نعتها جالينوس، وإيثار الانقطاع إلى اللَّه سبحانه وتعالى، ولكن بعد المسيح بمائة سنة إنتشروا هذا الانتشار حتى زادوا على الفلاسفة في فعل الخير وآثروا العدل والتفضيل والعفاف، وفازوا بتصديق المعجز، وحصل لهم الحالان، وورثوا المنزلتين، واغتبطوا بالسعادتين أعني السعادة الشرعية العقلية، فمن هذا وشبهه يتبين تاريخ جالينوس، وهذا آخر ما ذكره عبد اللَّه بن جبرائيل من أمر جالينوس، ونقلت من خط الشيخ موفق الدين أسعد بن إلياس بن المطران قال المواضع الذي ذكر جالينوس فيه موسى والمسيح، قد ذكر موسى في المقالة الرابعة في كتابه في التشريح على رأي أبقراط إذ يقول هكذا يشبهون من تعين من المتطببين لموسى الذي سن سننًا لشعب اليهود لأن من شأنه أن يكتب كتبه من غير برهان إذ يقول اللَّه أمر واللَّه قال.
ويذكر موسى في كتاب منافع الأعَضاء، ويذكر موسى والمسيح في كتاب النبض الكبير إذ يقول لا الخشبة المتفتلة تستوي ولا الشجرة العتيقة إذا حولت تعلق فيسهل أن يعلم الإنسان أهل موسى والمسيح من أن يعلم الأطباء والفلاسفة الممارين بالأحزاب، ويذكر موسى والمسيح في مقالته في المحرك الأول ويقول لو كنت رأيت قومًا يعلمون تلاميذهم كما كان يعلمون أهل موسى والمسيح إذ كانوا يأمرونهم أن يقبلوا كل شيء بالإماتة، لم أكن أريكم أحداً، وفي مواضع أخر قال سليمان بن حسان المعروف بابن جلجل وكان جالينوس من الحكماء اليونانيين الذين كانوا في الدولة القيصرية بعد بنيان رومية ومولده ومنشؤه بفرغامس وهي مدينة صغيرة من جملة مدائن آسيا شرقي قسطنطينية، وهي جزيرة في بحر قسطنطينية، وهم روم إغريقيون يونانيون، ومن تلك الناحية اندفع الجيش المعروف بالقوط من الروم الذين غنموا الأندلس واستوطنوها، وذكر لشيذر الإشبيلي الحراني أن مدينة فرغامس كانت موضع سجن الملوك، وهنالك كانوا يحبسون من غضبوا عليه، مسكن جالينوس وقال يوسف بن الداية في تعريف موضع جالينوس ومسكنه ما هذه حكايته قال سأل أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي جبرائيل بن يختيشوع عن مسكن جالينوس أين كان من أرض الروم، فذكر أن مسكنه في دهره كان متوسطًا لأرض الروم، وأنه في هذا الوقت في طرف من أطرافها، وذكر أن حد أرض الروم كان في أيام جالينوس من ناحية الشرق مما يلي الفرات القرية المعروفة بنغيا من طوج الأنبار، وكانت المسلحة التي يجتمع فيها جند فارس والروم ونواطيرهما فيها، وكان الحد من ناحية دجلة دارا، إلا في بعض الأوقات، فإن ملوك فارس كانت تغلبهم على ما بين دارا ورأس العين، فكان الحد فيما بين فارس والروم من ناحية الشمال أرمينية، ومن ناحية المغرب مصر إلا أن الروم كانت تغلب في بعض الأوقات على مصر وعلى أرمينية، فلما ذكر جبرائيل غلبة الروم على أرمينية في بعض الأوقات تلقيت قوله بالإنكار، وجحدت أن تكون الروم غلبت على أرمينية إلا الموضع الذي يسمى بلسان الروم أرمنيانس، فإن الروم يسمون أهل هذا البلد إلى هذه الغاية الأرمن فشهد له علي أبو إسحاق بالصدق، وأتى بدليل على ذلك لم أصل إلى دفعه، وهو نمط أرمني كأحسن ما رأيت من الأرمن صنعة فيه صور جوار يلعبن في بستان بأصناف الملاهي الرومية، وهو مطرز بالرومية مسمى باسم ملك الروم فسلمت لجبرائيل، ورجع الحديث إلى القول في جالينوس قال واسم البلد الذي ولد فيه وكان مسكنه سمرنا، وكان منزله بالقرب من قرية بينه وبينها فرسخان.
قال جبرائيل فلما نزل الرشيد على قرة، رأيته طيب النفس، فقلت له يا سيدي يا أمير المؤمنين، منزل أستاذي الأكبر مني على فرسخين، فإن رأى أمير المؤمنين أن يطلق لي الذهاب إليه حتى أطعم فيه وأشرب، فأصول بذلك على متطببي أهل دهري، وأقول أني أكلت وشربت في منزل أستاذي، فليفعل؟ فاستضحك من قولي ثم قال لي ويحك يا جبرائيل أتخوف أن يخرج جيش الروم أو منسر فيختطفك، فقلت له من المحال أن يقدم الروم على القرب من معسكرك هذا القرب كله، فأمر بإحضار إبراهيم بن عثمان بن نهيك وأمره أن يضم إلي خمسمائة رجل حتى أوافي الناحية، فقلت يا أمير المؤمنين في خمسين كفاية.
فاستضحك ثم قال ضم إليه ألف فارس، فإنه إنما كره أن يطعمهم ويسقيهم، قال فقلت ما لي إلى النظر إلى جالينوس حاجة، فازداد ضحكًا ثم قال وحق المهدي لتنفذن ومعك الألف فارس، قال جبرائيل فخرجت وأنا من أشد الناس غمًا وأكسفهم بالاً، قد أعددت لنفسي ما لا يكفي عشرة أنفس من الطعام والشراب، قال فما استقر بي الموضع حتى وفاني الخبز والمساليخ والملح فعم من معي فضل كثير، فأقمت في ذلك الموضع فطعمت فيه، ومضى فتيان الجند وأغاروا على مواضع خمور الروم ولحومهم، فأكلوا اللحم كبابًا بالخبز، وشربوا عليه الخمر، وانصرفت في آخر النهار.
فسأله أبو إسحاق هل تبين في رسم منزل جالينوس ما يدل على أنه كان له شرف؟ فقال له أما الرسم فكثير، ورأيت له أبياتًا شرقية وأبياتًا غربية وأبياتًا قبلية ولم أر له بيتًا فراتياً، وكذلك كانت فلاسفة الروم تجعل بيوتها، وكذلك كانت ترى عظماء فارس، وكذلك أرى أنا إذا أصدقت نفسي وعملت بما يجب، لأن كل بيت لا تدخله الشمس يكون وبيئاً، وإنما كان جالينوس على حكمته خادمًا لملوك الروم، وملوك الروم أهل قصد في جميع أمورهم، فإذا قست منزل جالينوس إلى منازل الروم رأيت من كبر خطته وكثرة بيوته، وإن كنت لم أرها إلا خرابًا على أني وجدت فيها أبياتًا مسقفة استدللت على أنه كان ذا مروءة، فسكت عنه أبو إسحاق، فقلت يا أبا عيسى إن ملوك الروم على ما وصفت في القصد وليس قصدهم في هباتهم وعطاياهم إلا قصدهم في مروءات أنفسهم، فالنقص يدخل المخدوم والخادم، فإذا نظرت إلى موضع قصر ملك الروم وموضع جالينوس ثم نظرت إلى قصر أمير المؤمنين ومنزلك، يكون نسبة منزل جالينوس إلى منزل ملك الروم مثل نسبة منزلك إلى منزل أمير المؤمنين.
وكان جبرائيل أحيانًا يعجب مني لكثرة الاستقصاء في السؤال، ويمدحني عند أبي إسحاق، وأحيانًا يغضب منه حتى يكاد أن يطير غيظاً، فقال لي وما معنى ذكرك النسبة؟ فقلت له أردت بذكر النسبة أنها لفظة يتكلم بها حكماء الروم، وأنت رئيس تلامذة أولئك الحكماء، فأردت التقرب إليك بمخاطبتك بألفاظ أستاذيك.
وإنما معنى قولي نسبة دار جالينوس إلى دار ملك الروم مثل نسبة دارك إلى دار أمير المؤمنين أنه إن كانت دار جالينوس مثل نصف أو ثلث أو ربع أو خمس أو قدر من الأقدار من دار ملك الروم، هل يكون قدرها من ملك الروم مثل قدر دارك؛ من دار أمير المؤمنين أو أقل؟ فإن دار أمير المؤمنين إن كانت فرسخًا في فرسخ وقدر دارك عشر فرسخ في عشر فرسخ، ودار ملك الروم إن كانت عشر فراسخ في عشر فراسخ، ودار جالينوس عشر عشر فرسخ في عشر عشر فرسخ، كان قدر دار جالينوس من دار ملك الروم مثل مقدار دارك من دار أمير المؤمنين سواء.
فقال لم تكن دار جالينوس كذا، وهي أقل مقدارًا من داري عند دار أمير المؤمنين بكثير كثير فقلت له، تخبرني عما أسأل؟ قال لست آبي عليك، فقلت له إنك قد أخبرت عن صاحبك أنه كان أنقص مروءة منك، فغضب وقال أنت نوماجذ، وكنت أحسب هذه اللفظة فرية فغضب، فلما رأى غضبي قال إني لم أقذفك بشيء عليك فيه ضرر، ووددت أني كنت نوماجذ، هذا اسم ركب من حرفين فارسيين وهما الحدة والإتيان، فإنما نوماجذ نوه، آمد، أي جاد حدته، فيقال هذا للحدث؛ ووددت أنا كنا أحداثًا مثلك، وإنما أنهاك أن تتقفز تقفز الديوك المحتلمة، فإنها ربما نازعتها نفسها إلى منافرة الديوك الهرمة، فينقر الديك الهرم الديك المحتلم النقرة، فيظهر دماغه فلا تكون للمحتلم بعد ذلك حياة، وأنت تعارضني كثيرًا المجالس ثم تحكم وتظلم في الحكم.
وإن عيش جبرائيل وبختيشوع أبيه وجورجس جده لم يكن من الخلفاء وعمومتهم وقراباتهم ووجوه مواليهم وقوادهم، وكل هؤلاء ففي اتساع من النعمة باتساع قلوب الخلفاء، وجميع أصحاب ملك الروم ففي ضنك من العيش وقلة ذات يد فكيف يمكن أن أكون مثل جالينوس، ولم يكن له متقدم نعمة، لأن أباه كان زراعًا وصاحب جنات وكروم؟، فكيف يمكن من كان معاشه من أهل هذا المقدار أن يكون مثلي ولي أبوان قد خدما الخلفاء وأفضلوا عليهما، وغيرهم ممن هو دونهم، وقد أفضل الخلفاء علي ورفعوني من حد الطب إلى المعاشرة والمسامرة، فلو قلت أنه ليس لأمير المؤمنين أخ ولا قرابة ولا قائد ولا عامل إلا وهو يداريني، إن لم يكن مائلًا بمحبته إلي وإن كان ماثلًا أو شاكرًا لي على علاج عالجته أو محضر جميل حضرته، أو وصف حسن وصفته به عند الخلفاء فنفعه، فكل واحد من هؤلاء يفضل علي ويحسن إلي، وإذا كان قدر داري من دار أمير المؤمنين على جزء من عشرة أجزاء؛ وكان قدر دار جالينوس من دار ملك الروم على قدر جزء من مائة جزء فهو أعظم مني مروءة، فقال له أبو إسحاق أرى حدّتك على يوسف إنما كانت لأنه قدمك في المروءة على جالينوس؟ فقال أجل واللَّه، لعن اللَّه من لا يشكر النعم، ولا يكافئ عليها بكل ما أمكنه، إني واللَّه أغضب أن أسوى بجالينوس في حال من الحالات، وأشكر في تقديمه على نفسي في كل الأحوال.
فاستحسن ذلك منه أبو إسحاق وأظهر استصوابًا له وقال هذا لعمري الذي يحسن بالأحرار والأدباء، فانكب على قدم أبي إسحاق ليقبلها فمنعه من ذلك وضمه إليه.
وقال سليمان بن حسان وكان جالينوس في دولة نيرون قيصر وهو السادس من القياصرة الذين ملكوا رومية وطاف جالينوس البلاد وجالها ودخل إلى مدينة رومية مرتين فسكنها، وغزا مع ملكها لتدابير الجرحى، وكانت له بمدينة رومية مجالس عامية خطب فيها وأظهر من علمه بالتشريح ما عرف به فضله، وبان علمه.
وذكر جالينوس في كتابه محنة الطبيب الفاضل ما هذا حكايته قال إني منذ صباي تعلمت طريق البرهان، ثم إني لما ابتدأت بعلم الطب رفضت اللذات، واستخففت بما فيه من عرض الدنيا ورفضته، حتى وضعت عن نفسي مؤونة البكور إلى أبواب الناس للركوب معهم من منازلهم، وانتظارهم على أبواب الملوك للانصراف معهم إلى منازلهم وملازمتهم، ولم أفن دهري واشقِ نفسي في هذا التطواف على الناس الذي يسمونه تسليماً، لكن أشغلت نفسي دهري كله بأعمال الطب والروية والفكر فيه، وسهرت عامة ليلى في تقليب الكنوز التي خلفها القدماء لنا، فمن قدر أن يقول أنه فعل مثل هذا الفعل الذي فعلت، ثم كانت معه طبيعة ذكاء، وفهم سريع، يمكن معها قبول هذا العلم العظيم؛ فواجب أن يوثق به قبل أن يجرب قضاياه وفعله في المرضى، ويقضي عليه بأنه أفضل ممن ليس معه ما وصفنا ولا فعل ما عددناه.
وبهذا الطريق سار رجل من رؤساء الكمريين عند رجوعي إلى مدينة من البلدان التي كنت نزعت إليها، على أنه لم يكن تم لي ثلاثون سنة، إلى أن ولاني علاج جميع المجروحين من المبارزين في الحرب، وقد كان يولي أمرهم قبل ذلك رجلان أو ثلاثة من المشايخ، فما أن سئل ذلك الرجل عن طريق المحنة التي امتحنني بها حتى وثق بي فولاني أمرهم، قال إني رأيت الأيام التي أفناها هذا الرجل في التعليم أكثر من الأيام التي أفناها غيره من مشايخ الأطباء في تعلم هذا العلم، وذلك أني رأيت أولئك يفنون أعمارهم فيما لا ينتفع به، ولم أر هذا الرجل يفني يومًا واحدًا ولا ليلة من عمره في الباطل، ولا يخلو في يوم من الأيام ولا في وقت من الارتياض فيما ينتفع به، وقد رأينا أيضًا فعل أفعالًا قريبًا هي أصح في الدلالة على حذقه بهذه الصناعة من سنى هؤلاء المشايخ.
وقد كنت حضرت مجلسًا عامًا من المجالس التي تجتمع فهيا الناس لاختبار علم الأطباء، فأريت ممن حضر أشياء كثيرة من أمر التشريح، وأخذت حيوانًا فشققت بطنه حتى أخرجت أمعاءه، ودعوت من حضر من الأطباء إلى ردها، وخياطة البطن على ما ينبغي، فلم يقدم أحد منهم على ذلك، وعالجناه نحن فظهر منا فيه حذق ودربة وسرعة كف، وفجرنا أيضًا عروقًا كبارًا بالتعمد ليجري منها الدم، ودعونا مشايخ من الأطباء إلى علاجها، فلم يوجد عندهم شيء، وعالجتها أنا فتبين لمن كان له عقل ممن حضر أن الذي ينبغي أن يتولى أمر المجروحين من كان معه من الحذق ما معي، فلما ولاني ذلك الرجل أمرهم وهو أول من ولاني هذا الأمر اغتبط بذلك، وذلك أنه لم يمت من جميع من ولاني أمره إلا رجلان فقط، وقد كان مات ممن تولى علاجه طبيب كان قبلي ستة عشر نفساً، ثم ولاني بعده أمرهم رجل آخر من رؤساء الكمريين فكان بتوليته إياي أسعد، وذلك أنه لم يمت أحد ممن ولانيه، على أنه قد كانت بهم جراحات كثيرة جدًا عظيمة.
وإنما قلت هذا لأولة كيف يقدر الممتحن أن يمتحن ويميز بين الطبيب الماهر وبين غيره قبل أن يجرب قوله وعلمه في المرضى، ولا يكون امتحانه له كما يمتحن الناس اليوم الأطباء، ويقدمون منهم من ركب معهم واشتغل بخدمتهم الشغل الذي لا يمكن معه الفراغ لأعمال الطب، بل يكون تقديمه واختياره لمن كان على خلاف ذلك، وكان شغله في دهره كله في أعمال الطب لا غيرها، قال وإني لأعرف رجلًا من أهل العقل والفهم قدمني من فعل واحد رآني فعلته، وهو تشريح حيوان بينت به بأي الآلات يكون الصوت وبأي الحركة منها، وكان عرض لذلك الرجل قبل ذلك الوقت بشهرين أن سقط من موضع عال فتكسرت من بدنه أعضاء كثيرة؛ وبطل عامة صوته لا يرجع، فما أن رأى مني ذلك الرجل ما رأى وثق بي وقلدني أمر نفسه فأبرأته في أيام قلائل، لأني عرفت الموضع الذي كانت الآفة فيه، فقصدت له.
وقال وإني لأعرف رجلًا آخر سقط من دابته فتهشم ثم عولج فبرأ من جميع ما كان ناله خلا أن أصبعين من أصابع كفه وهما الخنصر والبنصر بقيتا خدرتين زمانًا طويلاً، وكان لا يحس بهما كثير حس، ولا يملك حركتهما على ما ينبغي، وكان من ذلك أيضًا شيء في الوسط، فجعل الأطباء يضعون على تلك الأصابع أدوية مختلفة وكلها لم تنجح، وكلما وضعوا دواء انتقلوا منه إلى غيره، فلما أتاني سألته عن الموضع الذي قرع الأرض من بدنه، فلما قال لي أن الموضع الذي قرع منه هو ما بين كتفيه، وكنت قد علمت من التشريح أن مخرج العصبة التي تأتي هاتين الإصبعين أول خرزة فيها بين الكتفين، علمت أن أصل البلية هو الموضع الذي تنبت فيه تلك العصبة من النخاع، فوضعت على ذلك الموضع الذي تنبت منه تلك العصبة بعض الأدوية التي كانت توضع على الأصابع، وبعد أن أمرت فقلعت عن الأصابع تلك الأدوية التي توضع عليها باطلاً، فلم يلبث إلا يسيراً، حتى برئ، وبقي كل من رأى ذلك يتعجب من أن ما بين الكتفين يعالج فتبرأ الأصابع، قال وأتاني رجل آخر أصابته آفة في صوته وشهوته للطعام معاً، فأبرأته بأدوية وضعتها على رقبته، وكان العارض لذلك الرجل ما أصف لك كان به خنازير عظيمة في رقبته في كلا الجانبين، فعالجه بعض المعالجين فقطع تلك الخنازير، وأورثه بسوء احتياطته بردًا في العصبتين المجاورتين للعرقين النابضين الشاخصين في الرقبة، وهاتان العصبتان تنبتان في أعضاء كثيرة، وتأتي منهما شعبة عظيمة إلى فم المعدة، ومن تلك الشعبة تنال المعدة كلها الحس، إلا أن أكثر ما في المعدة حسًا فمها لكثر ةما ينبت من تلك العصبة التي فيها، وشعبة يسيرة من كل واحدة من هاتين العصبتين تحرك واحدة من آلات الصوت، ولذلك ذهب صوت ذلك الرجل وشهوته، فلما علمت ذلك وضعت على رقبته دواء مسخنًا فبرأ في ثلاثة أيام، وما أحد رأى هذا الفعل مني، ثم صبر لأن يسمع مني الرأي الذي أداني إلى علاجه الاعجب، إلا وعلم أن بالأطباء إلى التشريح أعظم الحاجة.
وقال جالينوس في كتابه في الأمراض العسرة البرء إنه كان مارًا بمدينة رومية إذ هو برجل خلق حوله جماعة من السفهاء، وهو يقول أنا رجل من أهل حلب لقيت جالينوس، وعلمني علومه أجمع، وهذا دواء ينفع من الدود في الأضراس، وكان الخبيث قد أعد بندقًا من قار وقطران، وكان يضعها على الجمر ويبخر بها صاحب الأضراس المدودة بزعمه، فلا يجد بدًا من غلق عينيه، فإذا أغلقهما دس في فمه دودًا قد أعدها في حق، ثم يخرجها من فم صاحب الضرس، فلما فعل ذلك ألقى إليه السفهاء بما معهم، ثم تجاوز ذلك حتى قطع العروق على غير مفاصل.
قال فلما رأيت ذلك أبرزت وجهي للناس وقلت أنا جالينوس وهذا سفيه، ثم حذرت منه، واستعديت عليه السلطان فلطمه.
ولذلك ألف كتابًا في أصحاب الحيل، وقال جالينوس في كتاب قاطاجانس أنه دبر في الهيكل بمدينة رومية في نوبة الشيخ المقدم الذي كان في الهيكل الذي كان يداوي الجرحى، وذلك الهيكل هو البيمارستان- فبرأ كل من دَبَره من الجرحى قبل غيرهم، وبان بذلك فضله وظهر علمه، وكان لا يقنع من علم الأشياء بالتقليد دون المباشرة، قال المبشر بن فاتك وسافر جالينوس إلى أثينية ورومية والاسكندرية وغيرها من البلاد في طلب العلم، وتعلم من أرمنيس الطب وتعلم أولًا من أبيه ومن جماعة مهندسين ونحاة الهندسة واللغة والنحو وغير ذلك، ودرس الطب أيضًا على امرأة اسمها قلاوبطر، وأخذ عنها أدوية كثيرة، ولا سيما ما تعلق بعلاجات النساء، وشخص إلى قبرس ليرى القلقطار في معدنه، وكذلك شخص إلى جزيرة لمنوس ليرى عمل الطين المختوم، فباشر كل ذلك بنفسه وصححه برؤيته، وسافر أيضًا إلى مصر وأقام بها مدة فنظر عقاقيرها ولا سيما الأفيون، في بلد أسيوط من أعمال صعيدها، ثم خرج متوجهًا منها نحو بلاد الشام راجعًا إلى بلده، فمرض في طريقه ومات بالفرما، وهي مدينة على البحر الأخضر في آخر أعمال مصر.
وقال المسعودي في كتاب المسالك والممالك أن الفرما على شط بحيرة تنيس، وهي مدينة حصينة وبها قبر جالينوس اليوناني، وقال غيره أنه لما كانت ديانة النصرانية قد ظهرت في أيام جالينوس قيل له أن رجلًا ظهر في آخر دولة قيصر اكتفيان ببيت المقدس يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فقال يوشك أن تكون عنده قوة إلهية يفعل بها ذلك، فسأل إن كان هناك بقية ممن صحبه فقيل له نعم فخرج من رومية يريد بيت المقدس؛ فجاز إلى صقلية وهي يومئذ تسمى سلطانية، فمات هنالك وقبره بصقلية، ويقال أن العلة التي مات بها الذرب.
وحكي عنه أنه لما طالت به العلة عالجها بكل شيء فلم ينجح، فقالت تلاميذه أن الحكيم ليس يعرف علاج علته، وقصروا في خدمته، فأحس بذلك منهم وكان زمانًا صائفاً، فأحضر جرة فيها ماء وأخرج شيئًا فطرحه فيها وتركها ساعة وكسرها، وإذا بها قد جمدت، فأخذ من ذلك الدواء فشربه واحتقن به فلم ينفع، فقال لتلاميذه هل تعلمون لم فعلت هذا؟ قالوا لا قال لئلا تظنوا أني قد عجزت عن علاج نفسي فهذه علة تسمى داء مدد يعني الداء الذي لا دواء له وهو الموت، وهذه الحكاية أحسبها مفتعلة عن جالينوس.